تشكيل لجان حقوقية أهليّة إختبار لجديّة الحكومة في الاصلاح

محمد الهويمل

 

خلال القرن المنصرم بدأت منظمات وجماعات ومؤسسات مهتمة بمراقبة وتحسين ظروف واوضاع حقوق الانسان في العالم باشاعة المبادىء الاساسية لحقوق الافراد والجماعات عبر وسائل الاتصال الممكنة، وقد مارست لتحقيق هذه الغاية اشكالاً متنوعة من الاقناع والضغط على دول العالم من اجل الاسراع للدخول في معاهدات دولية لالزامها بتوفير الحدود المتفق عليها من الحقوق الاساسية للافراد والجماعات، لا سيما المتعلقة بالجانب المادي كحق الحياة وتوفير فرص معيشية متساوية وحق الكسب والتعليم والعمل وبالجانب المعنوي كحق العبادة والتعبير عن الاراء والمعتقدات والمساواة والحقوق السياسية والفكرية لكل جماعة.

وبسبب تضارب المصالح بين الدول وهكذا تباين المواقف بينها بالاستناد على اعتبارات دينية و اجتماعية سواء كانت هذه الاعتبارات حقيقية او مزعومة، تردد بعض الدول في التوقيع على بعض المعاهدات الخاصة بجوانب خاصة بحقوق الانسان فضلاً عن تبني المبادىء والعهود والمواثيق التي نصت عليها معاهدات دولية منبثقة عن لجان تابعة لهيئة الامم المتحدة والمتعلقة بحقوق الانسان.

الاشكالية التي مازالت تتردد كتبرير لاحجام بعض هذه الدول وبخاصة المملكة العربية السعودية التي قدمت عبر كتيبات وتصريحات ومقابلات تفسيراً محدداً لموقفها السلبي من بعض الاتفاقيات الخاصة بحقوق الانسان، أن هذه الاتفاقيات تمثل، من وجهة نظرها، الرؤية او النموذج الغربي لحقوق الانسان واللذين يتعارضا مع الرؤية السعودية التي تستند، زعما، الى  الشريعة الاسلامية.   

ولكن بمرور الوقت بدأ الموقف المتشدد من موضوع حقوق الانسان السائد في الغرب بالتراجع نتيجة ما ظهر خلال العقود الاخيرة من ضرورة وجود حدود مقبولة ومجمع عليها بين أعضاء المنظمة الدولية لتوفير مناخ حقوقي افضل بخاصة مع تزايد وعي شعوب العالم بحقوقها في اطراد مع تزايد الانتهاكات الخاصة بحقوق الافراد والجماعات. اذ لم تعد دعوى الامتثال لإملاءات الشريعة الاسلامية مبرراً صلباً كي تنأ الدول المعارضة لمواثيق حقوق الانسان عن الدخول في البرنامج الحقوقي العالمي، هذا مع ما تركته تلك الدعوى من آثار سلبية على الاسلام نفسه الذي تم توظيفه احياناً كغطاء قانوني لسلسلة طويلة من الانتهاكات ضد حقوق الانسان في هذه الدول.

كثيراً ما ينبري بعض المتصدين للدفاع عن موقف الدول التي تقوم على مدعيات دينية وانطلاقاً من موقف تبريري للرد على اسئلة بعض المهتمين بأوضاع حقوق الانسان سيما السؤال المركزي حول مبرر عدم قبول هذه الدول لمنظومة مبادىء حقوق الانسان المتفق عليها عالمياً، بأن بعض هذه المبادىء ليست مورد اجماع دولي، وكأن مهمة هذا البعض منحصرة تحديداً في التفتيش عن المعارضين لهذه المبادىء لا عن صدقيتها، ولربما أرادوا بقصد او خلافه ادراج أنفسهم في قائمة المخالفين والممتنعين. فهل يا ترى أخذ هذا البعض بتعارض او تطابق هذه المبادىء مع الشريعة الاسلامية ام كان الغرض في جوهره هو البحث عن مخرج يقي هذه الدول من مأزق الانعزال عن الاجماع الدولي في هذا الموضوع على وجه الخصوص؟!.

يلجأ البعض احياناً الى لغة تحمل في داخلها تعريضاً بمجتمع المملكة، وخاصة في مورد  الجدل حول حقوق الانسان كمفهوم وكمبادىء عامة. فقد تسمع احياناً تصريحات غير مسئولة كالتي تقول بأن القبول بمبدأ الحرية كأهم معلم من معالم حقوق الانسان يعني توفير غطاء قانوني لجماعات الشذوذ الجنسي وتشجيع الحرية الجنسية. وكان حري بهذا البعض أن يتأمل في مدلولات هذه التصريحات التي تبطن اتهاماً لشعوبها. وثانياً هل كانت الجماعات الشاذة بحاجة الى منظمات حقوق الانسان كي تمارس نشاطها بحرية، وهل وضعت حقوق الانسان كي تضمن، في الاصل،  لجماعات الشذوذ حقوقها المهضومة؟!. وهل حقوق الانسان اختزلت في مجرد بند متعلق بالحرية الجنسية؟ فهل استكمل البناء الحقوقي في المملكة حتى لم يعد ينقصه سوى الحديث عن نبذ او قبول هذا البند على وجه التحديد؟

مما يؤسف له ان تصدر مثل هذه التصريحات من اشخاص تعلموا بل وتربوا على معنى الحرية وحق الانسان في ان يفكر ويعبر عما يفكر فيه دون خوف من اجهزة الامن او مراقبة من قبل الامن والاعلام.

النظام الاساسي وحقوق الانسان

يتضمن النظام الاساسي المعلن في مارس 1992 مجموعة مواد يمكن ادراجها ضمن لائحة حقوق المواطن. فالمادة 27 تنص على ان "الدولة تضمن حق كل مواطن وعائلته في حالات الطواري، المرض، العجز وكبر السن". والمادة 28 تنص على ان الدولة توفر التعليم وتحارب الامية". والمادة 30 تنص على الرعاية الصحية والمادة 35 تضمن عدم اعتقال أي فرد او سجنه او تقييد نشاطه سوى ما حدده القانون. والمادة 37 تحظر التدخل في او مراقبة الخدمات البريدية والتلغرافية والاتصالات التلفونية او أي وسائل اتصال اخرى. وتتويجاً لما سبق فالمادة 40 تقول بأن الدولة ترعى حقوق الانسان وفقاً للشريعة الاسلامية.

ولكن بعد مرور نحو عشر سنوات على صدور النظام الاساسي هل تحسنت ظروف واوضاع حقوق الانسان في المملكة. فغياب الحريات الاساسية المتعلقة بالتعبير والتجمع والتمييز الممؤسس ضد المرأة والاقليات الدينية واستعمال عقوبة الاعدام للقضاء على المعارضة السياسية مازالت المشاكل الحقوقية الضاغظة في المملكة. فالملكية الشمولية  لاتسمح بنقد العائلة المالكة او الحكومة والذي غالباً ما يواجه النقد بتهديد الاعتقال العشوائي والحجز بدون محاكمة والتعذيب والاعدام لاسكات المعارضة.

ولي العهد الامير عبد الله الذي بدأ يمارس الى حد كبير صلاحايات الملك فهد الذي يعاني من آثار الجلطة الدماغية التي اصابته عام 1995، بدا اكثر انفتاحاً على المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعيشها المملكة في الوقت الراهن حيث تحدث بصراحة عن ضرورة محاربة الفساد، والحاجة لكي تلعب المرأة دوراً اكبر في المجتمع. فقد صرح في شهر ابريل من العام الماضي بأننا لن نسمح لأحد مهما كان بأن يقوض او يهمش دور المرأة الفاعل في خدمة دينها وبلدها.  وقد فتح التصريح باب المناظرة غير المسبوقة في المجتمع حول دور المرأة. ولكن المرأة مازالت تواجه تمييزاً مؤسسياً ينال من حريتها في الحركة والتجمع وحقها في المساواة في التوظيف والتعليم، فضلاً عن حقها في المشاركة السياسية وصناعة القرار.

فمازال الحظر ساري المفعول على المرأة بقيادة السيارة، وقد صرح الامير نايف وزير الداخلية بأنه "ليس لدينا نية للسماح للمرأة بقيادة السيارة" كما يمنع على المرأة السفر للخارج بدون محرم، اضافة الى حقوق اخرى مازالت المرأة في السعودية تناضل من اجل تحقيقها.

وبينما يصل معدل البطالة بين المواطنين السعوديين المؤهلين للعمل الى نحو  32 بالمئة حسب تقديرات متحفظة، فإن قوانين العمل في السعودية مازالت ساكنة، فحتى الان لم تحسم مسألة الحدود الدنيا للاجور، وان الحكومة مازالت عاجزة عن توفير فرص عمل متكافئة لمواطنيها، ومازالت الرشوة والواسطة على اساس القرابة والمنطقة والمذهب تمثل معايير حاكمة في التوظيف كما هو الحال في التعليم. من جهة ثانية، يعتبر ما يسمى بنظام الضمان الاجتماعي احدى المؤسسات الاقل نشاطاً في مجال كفالة العاطلين عن العمل والمرضى والعجز وكبار السن، فغياب نظام يضمن للمواطنين الذين عجزت الدولة عن توفير فرص عمل مناسبة لهم حدا ادنى من الضمان الاجتماعي ريثما تتاح لهم فرص أخرى للعمل تحرم كثيراً من العاطلين من حق التمتع باوضاع انسانية معتدلة نسبياً خاصة بالنسبة لأولئك الذين انهوا دراساتهم الجامعية.

من جهة ثانية، ثمة قلق متزايد ازاء العقوبات القاسية التي تفرضها الاجراءات غير العادلة من قبل وزارة الداخلية اضافة الى عوامل اخرى التي تستمر في تقويض استقلال النظام القضائي، وتشجع العشوائية في صدور الاحكام وتسمح بتضليل القضاء من خلال مجموعات ذات مصالح مشتركة. هذه العوامل تشمل انعدام العلنية ونظام قضائي مبثوث او نظام التدابير الخاصة بالجرائم. فالصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الملك في تعيين وطرد القضاة وفي انشاء محاكم خاصة اضافة الى حق التصرف الممنوح للقضاء في تعريف القضايا الاجرامية وتقرير العقوبات بما يشمل الجلد، وبتر الايدي وقطع الرؤوس.

وبناء على القوانين الخاصة بالاعتقال والحجز  المؤقت والقوانين الوقائية الصادرة من قبل وزير الداخلية في العام 1983 فإن المعتقلين ليس لديهم الحق في  المراجعة القضائية، فقد يحجزون على ذمة التحقيق مدة واحد وخمسين يوماً قبل ان ينظر في قضية اعتقالهم، وقد يبقى المعتقلون الى مدد غير محدودة في حال لم يأمر حاكم المنطقة او وزير الداخلية باخلاء سبيل المعتلق او محاكمته. كما ان المعتقلين ليس لديهم الحق في التشاور القانوني، او اختبار الشهود واستدعاء شهود آخرين للادلاء بشهاداتهم لصالح المتهمين. فالقوانين السعودية تقر الاتهامات الصادرة على اساس اعترافات غير مثبتة أو معززة بوثائق، فكثير من الاعترافات المنزوعة من المعتقلين تحت ظروف نفسية وجسدية قاسية يجري اعتمادها من قبل القضاة الخاضعين بدورهم الى وزارة الداخلية حيث تجري المحاكمات داخل المعتقلات ويجري سرد التهم من قبل المدعي العام للمحكمة والذي قد يكون احد المعذبين والمحققين فيما يتولى القاضي اصدار حكمه القضائي بناء على الاتهامات الموجهة الى المعتقلين والذين يحرمون من حق الدفاع ونفي التهم او حتى شرح ملابسات الاعترافات المسجلة ضدهم.

من جهة ثانية، يتمتع وزير الداخلية من الناحية العملية بصلاحيات مطلقة في موضوع المتهمين بجرائم متصلة بالامن الوطني وهذه الجرائم تعرف بصورة واسعة بحيث تشمل المعارضة السلمية. فقد تعرض كثير من قادة المعارضة الدينية والليبرالية العلمانية الى الاعتقال لفترات طويلة تصل احياناً الى أكثر من خمس سنوات  بدون محاكمة وكانت التهمة هو انتقاد الحكومة بصورة علنية.

 

التمييز الطائفي

 

استمرت سياسة التمييز الطائفي ضد الشيعة والتي غالباً ما كان ينظر اليها بريبة سيما بعد الثورة الايرانية عام 1979. فقد عانى الشيعة بحصة غير عادلة من الخدمات الاجتماعية والوظائف الحكومية وهناك تقييدات صارمة على بناء مساجد وحسينيات للشيعه. نشير الى أن الاجراءات السابقة المفروضة على النشاطات الدينية الشيعية كالتي تجري في شهر محرم من كل عام قد جرى تخفيفها الى حد كبير رغم ان ذلك ليس مؤسساً على ارضية قانونية الا ان تقارير حقوقية صدرت في نوفمبر 1998 تحدثت عن مهاجمة رجال هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لمؤذن شيعي في الهفوف الذي فارق الحياة نتيجة تعدي ما يسمى بـ "المطاوعة" عليه. وتحدثت تقارير عن تدخلات الهيئة وبعض الاجهزة التابعة للمؤسسة الدينية في بث الكراهية ضد المواطنين الشيعة ونشر كتيبات تحمل لغة تحريضية وتشجّع على ممارسة العنف ضد أفراد هذه الطائفة.

 الحكومة تمتلك كافة محطات الراديو والتلفزيون المحلية، وترقب بحزم الصحف الخاصة المدعومة من قبل الدولة، حيث تحظر نقد العائلة المالكة او الحكومة، وحسب قوانين المطبوعات الصادرة عام 1982 والقوانين الصادرة عام 2001 تلزم المحررين بعدم التعرض للعائلة المالكة او ما يدخل ضمن عنوان المصالح الوطنية وهو عنوان عريض يشمل قضايا عديدة تتصل غالباً باستقرار النظام السياسي. وزارة الاعلام تعين رؤوساء التحرير بقرار من الملك كما تزود الوزارة الصحف بالخطوط العريضة فيما يتصل بالقضايا الحساسة. الصحف المطبوعة في الخارج وكذا القنوات التلفزيونية الفضائية هي اما مملوكة لافراد في العائلة المالكة او اشخاص تربطهم مصالح مشتركة مع العائلة المالكة ويشمل ذلك جريدة الحياة والشرق الاوسط وقناة الام بي سي اضافة الى وكالة الاخبار العالمية يو بي آي، اضافة الى قنوات اخرى لبنانية وأوروبية تبث باللغة العربية.

 ومما يجدر ذكره أن عدداً غير محدد من الصحافيين السعوديين تعرضوا للتحقيق او الايقاف او التحذير من المؤسسة الامنية التي تشرف بصورة غير مباشرة على النشاطات الصحافية في المملكة. وقد تعرض الشاعر عبد المحسن حليت من المدينة المنورة في غرب المملكة للاعتقال بعد نشره قصيدة في صحيفة "المدينة" في شهر مارس الماضي تحت عنوان (المفسدون في الارض) تعرض فيها لفساد الجهاز القضائي في المملكة ومحاباته للملك ولأفراد العائلة المالكة، كما تم فصل رئيس تحرير الصحيفة محمد الفال اثر نشر القصيدة.

 الدخول الى الانترنت بدأ من الناحية العملية في ديسمبر عام  1998 فور الانتهاء من مركز التكنولوجية لمراقبة المواد التي تعتبر من قبل السلطات السعودية خطرة على الامن الوطني والاخلاق العامة. وقد طلبت الحكومة من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنلوجيا لانشاء مزود بديل لكافة مزودي خدمات الانترنت والذي من شأنه اغلاق المواقع المحظورة بناء على قائمة متجددة لتلك المدرجة ضمن المواقع غير المرغوبة. وعلى اية حال فإن ما ظهر لاحقاً يكشف عن عدم قدرة هذه السياسة في منع مستخدمي الانترنت من الدخول على المواقع المغلقة وبرامج التحدث. وقد ارتفع عدد مستخدمي الانترنت من 30 الف عام 1999 الى اكثر من 200 الف عام 2001. وقد ذكرت منظمات حقوقية بأن السلطات السعودية قامت بحجب عدد كبير من المواقع التي تتضمن انتقادات للسياسة العامة واجهزة الدولة السعودية.

تشكو المنظمات الحقوقية من صعوبة العمل في ظل اجراءات ضبط صارمة على المعلومات والتضييق الشديد على حرية التعبير والضمير. فالرقابة المفروضة على الاتصالات الهاتفية والبريدية خلقت مناخاً من الخوف والتي تمنع المواطنين من التعليق على اوضاع حقوق الانسان في هذا البلد. فالسعوديون الذي يعيشون في الخارج يطلبوا عدم ذكر اسمائهم في حال تقديمهم معلومات عن حقوق الانسان خشية تعرض اهاليهم للاذى والمسائلة في الداخل.

 

ماذا يعني وجود منظمات حقوقية وطنية؟

 

منذ نشأت جماعات معارضة في السعودية خارج الحدود كان الملف الحقوقي يحتل اولوية في النشاطات الاعتراضية ويحظى باهتمام كبير لدى اعضاء هذه الجماعات. فخلال العقدين الماضيين ظهرت لجان متخصصة باوضاع حقوق الانسان في المملكة مشتقة في الاصل عن منظمات سياسية معارضة. فهناك اللجنة الدولية للدفاع عن حقوق الانسان في الخليج والجزيرة العربية التابعة للحركة الاصلاحية، ولجنة الدفاع عن حقوق الانسان في الخليج التابعة لحزب العمل الاشتراكي السعودي، ولجنة الدفاع عن حقوق الانسان في المملكة العربية السعودية التابعة لحزب الله الحجاز، ولجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية التابعة للتيار الديني السلفي في نجد وقد انشقت اللجنة عن لجنة اخرى تابعة للحركة الاسلامية للاصلاح يرأسها الدكتور سعد الفقيه.

ظهور هذه اللجان المضطلعة بحقوق الانسان تمثل طيفاً واسعاً من جماعات متباينة ايديولوجياً ومناطقياً تنبىء عن وجود ظاهرة سلبية في المملكة متمثلة في انتهاكات حقوق الانسان. وما تكشف عنه محتويات التقارير الصادرة عن هذه اللجان يؤكد بأن المجالات التي تقع فيها هذه الانتهاكات تشمل الحريات الفكرية والسياسية. فالتعديات الواقعة على حرية التعبير وحق الافراد والجماعات في التشكل ومزاولة طقوسهم الدينية والاجتماعية وحرياتها الفكرية والسياسية تعتبر من الحالات الشائعة. فكثيراً ما رصدت تقارير حقوق الانسان عن اعتقال مجموعات بتهمة مزاولة الشعوذة كتعبير يشمل كل من ينتمي الى غير المذهب الرسمي للدولة. كما سجلت حالات  عن وجود معتقلين يقضون مدداًَ طويلة في السجون دون تهم محددة سوى مجرد شبهة جنائية فيما لا يسمح لذويهم بزيارتهم لفترات طويلة كما لا يسمح لهم بالاتصال بمحامين للدفاع عنهم، كما تم رصد عدد كبير من الحالات عن اشخاص تعرضوا للاعتقال بتهم الانتماء لمنظمات سياسية محظورة او مزاولة نشاطات توصف بتهديدها للامن الوطني.

 تسعى السلطات السعودية الى التقليل من شأن المخالفات المرصودة من قبل منظمات حقوق الانسان الدولية والتي عادة ما تصفها حكومة المملكة بانها تعبر عن مصالح دول اجنبية او انها تمثل وجهة نظر معادية للاسلام، الا ان ما تسجله وتنشره لجان حقوقية سعودية لا يمكن تبريره خاصة وان هذه اللجان لا تنتظم في اطار ايديولوجي او مناطقي مشترك. فالزعم المتكرر بأن منظمات مثل العفو الدولية وميدل ايست واتش وغيرهما لا تدرك خلفيات العقوبات الصادرة بحق المعتقلين بناء على عدم ادراكها لاحكام الشريعة الاسلامية لا يعني مطلقا خلو المملكة من انتهاك لحقوق الانسان، والا فما الهدف من تخصيص جماعات المعارضة في المملكة لجان مضطلعة بمراقبة اوضاع حقوق الانسان والابلاغ عنها في تقارير موثقة.

 وجود انتهاكات لحقوق الانسان في المملكة لا يقابل باستعمال لغة الجزم النافية في وقت تسهلت فيه عمليات الابلاغ والرصد، واذا كانت حكومة المملكة تنفق اموالاً باهضة على تحسين سمعتها في المحافل الدولية فبالامكان تصنيع ذلك محلياً من خلال سن تشريعات تكفل حقوق المواطن وتوفر ضمانات قانونية للمتهمين وحقوقهم في الدفاع عن انفسهم، كما لابد من اجل تفعيل هذه التشريعات من السماح لمنظمات حقوقية محلية بالعمل لمراقبة سير اوضاع حقوق الانسان ورصد المخالفات ورفعها الى الحكومة للقيام بالتدابير اللازمة لمعاقبة المسئولين عنها.

 قد يظهر في وقت لاحق اقتراح بانشاء لجنة تابعة لمجلس الشورى تتولى اسمياً موضوع حقوق الانسان كما فعلت البحرين قبل التغيير وربما دول اخرى، ولكن هذه اللجان فضلاً عن كونها غير فاعلة ومرتبطة مباشرة بالملك كما هي لجنة حقوق الانسان التابعة لوزارة الخارجية المستقلة بالملك!! فان الغرض من هذه اللجنة ليست لتجميل الديكور السياسي للمملكة وانما لايجاد حل لمشكلة عميقة ومتشعبة، وان اللجان انشئت في الاصل لمراقبة حقوق الانسان التي تنتكها الدولة فاذا كانت الدولة ذاتها المشرفة على هذه اللجان فقدت الاخيرة مبرر وجودها، تماماً كما لا يمكن الجمع بين الجاني والقاضي في شخص واحد.