فليسكب الماء على لحيته!

 

فجأة تنمّرت السعودية على حليفها السوري، ليس بسبب مقتل حليفها اللبناني المرحوم رفيق الحريري واحتمال أن تكون المخابرات السورية متورطة في ذلك الحادث البشع، بل لأن الأسياد الأميركان قرروا ذلك.

بشار الأسد الذي يواجه ضغوطاً أميركية أوروبية إسرائيلية هائلة، جاء الى المملكة العربية السعودية في مطلع مارس 2005 بغية التخفف من بعض الأعباء، وتحصيل مظلّة عربيّة تبقي ماء الوجه عبر انسحاب مشرف، خاصة وأن القوات السورية ما دخلت لبنان إلا بدعم سعودي مصري.. ولكن السعوديين ـ وعلى خلاف عادتهم في هدوئهم الدبلوماسي ـ تناغموا مع الحملة الغربية، وهددوا بشار الأسد بأنه إن لم ينسحب من لبنان فوراً فإنهم سيتخذون مواقف أكثر تشدداً تصل الى حد القطيعة السياسية. وقد تمّ تسريب هذه التهديدات الى وكالات الأنباء ومحطات التلفزة وبينها السي إن إن.

وبسبب هذه الضغوط المتراكمة أعلن الأسد نيته في سحب قواته، وكسب السعوديون يداً بيضاء لدى واشنطن، حتى أن الرئيس الأميركي امتدح القيادة السعودية عدة مرات في تصريحاته المستمرة الضاغطة على سوريا. كان طلب السعوديين بادئ الأمر هو المسارعة في التحقيق بشأن مقتل الحريري، وبدا أنهم يرفضون الضغوط غير المبررة على سوريا، خاصة تلك التي تأتي من أميركا، مع الأخذ بعين الإعتبار أن صانع القرار السعودي لم يفته حقيقة أن بلاده مستهدفة كما هي سوريا، وأن إضعاف الأخيرة أو تبرير ضربها سيؤدي في المحصلة الى ضرب السعودية والتفرغ لها، وعلى قاعدة نفس المبررات ربما. ذلك ان السعودية نفسها بلد غير ديمقراطي، كما هي سوريا المتهمة اليوم!

لكن يبدو أن المسؤولين السعوديين طمعوا من جهة في نيل رضا الولايات المتحدة إن هم ساندوها في ضغوطها على دمشق، ومن جهة ثانية رأوا أن عدم الوقوف مع واشنطن يعني استعداءها اكثر، فرأى الأمراء التضحية بسوريا، بغية تحصيل العصفور الأميركي الواقف على الشجرة!

معروف أن آل بوش قريبين من آل سعود، ولقد تمّ انقاذ العلاقات الأميركية السعودية بسبب فوز جورج بوش على منافسه كيري، الذي لم يخف السعوديون خشيتهم منه ومن تصريحاته النارية ضد العائلة المالكة. إن العلاقة الحميمية بين آل بوش وآل سعود، ستساهم بلا شك في تأجيل فتح النار الأميركية على الحكومة السعودية، ونقول (تأجيل) وليس (إلغاء).. وبقدر ما يتسارع سقوط أو انكسار الأنظمة المستبدة خاصة تلك المحيطة بالعراق، كلما اقترب دور الحكومة السعودية. وكأن الرأي الأميركي يميل الى استخدام السعودية في كسر وإضعاف كل الأنظمة والجماعات التي لا تكن لها واشنطن ودّاً، وبعد الفراغ من ذلك، يأتي الدور على السعودية نفسها، فتلقى حتفها بعد أن تكون ساهمت في تدمير الآخرين فيكون جزاؤها جزاء سنمار واعتماداً على نظرية الشاعر القائل: من حُلقت لحية جار له/ فليسكب الماء على لحيته.

والمسؤولون السعوديون عليهم اليوم أن يعدّوا أنفسهم لتلك المرحلة، وأن لا يتوهموا بأن التصاقهم بالسياسة الأميركية وتأييدها في كل مشاريعها في الشرق الأوسط سيرضي الأميركيين عنهم؛ فمحاولة آل سعود إثبات أنهم مازالوا أصدقاء وأنهم مازالوا قادرين على خدمة حلفائهم في الغرب بالرغم من أحداث سبتمبر وقبلها سقوط الشيوعية، لا يعني أن نظامهم لازال فاعلاً فهو بنظر الأميركيين وحلفائهم الأوروبيين لازال ينظر إليه على أنه نظام (انتهت صلاحيته) ولم يبق من السيجارة الا عقبها وقريباً ما تداس بالحذاء.